رحلة العودة من تكانت ..../ إسلمو أحمد سالم | مقطع الأحجارالإخباري

رحلة العودة من تكانت ..../ إسلمو أحمد سالم

أربعاء, 08/23/2017 - 11:36

حظيت بزيارة من صديق ، و أصررت عليه أن أوصله إلى أهله في (عركوب توروكيلين ) مساء ، لكننا وصلنا وقت صلاة المغرب .
كان على أن اسرع قافلا إلى الطريق الرئيسي قبل اكتمال الظلام ، فالقرية تبعد خمس كليمترات عن الطريق ، و فور الاستواء على الطريق ، نظرت في كل الاتجاهات فلم ألاحظ حركة ، لا إنسانا و لا حيوانا و لا حتى سيارات على الطريق ، كان الصديق يقول لي منذ لحظات: إن سكان (تكانت) لا يسافرون في المساء .
كانت الطريقة موحشة جدا ، فوجدتني أشعر القشعريرة يجتاح جسدى ، من رأسي إلى أخمص قدمي ، فركزت على السيارة و الزمت سرعتها 120 كلم /س و رفعت صوتي بالتلاوة و تابعت الطريق بدقة متناهية ، محاولا تجاهل المكان الموحش الذي يمتد على مسافة 40كلم .
مررت ب(ملزم الكجة) و رغم وجود ساكنة إلا أن العتمة و الهدوء و انعدام الحركة و البيوتات المتناثرة تذكر بحالة مكاتب التصويت يوم ال5 أغسطس في مقطع الأحجار قبل أن ينتفض القوم عن الساعة الخامسة لتلافي الموقف و تحرك الأحياء و الأموات ، فقلت ربما لم يدفعوا مائة ألف أوقية لرئيس المكتب كما وقع مع بعض مكاتب البلدية .
تزاحم الطريق مقبرة كبيرة من الشرق ، فأشعرتني بالخوف ، قلت ربما لأننا نحن الأحياء في هذا الوطن تجاوزنا في حق الأموات ، إذ نسعى لمسخ كلما تركوا لنا من مصادر الفخر في دولتنا الحديثة ، فترانا ننفق الأموال الطائلة لترقيع العلم و التارخ بخرق بشعة و الاستخفاف بالشيوخ و استبدالهم بالشباب ، و سلخ النشيد الوطني .
و الأدهى أننا استخدمنا أصوات امواتنا في ذلك ، فربما انطلقت بهم ثورة من الرياض و شمال القصر الرئاسي لتعم البلد .
تظاهرت بعدم الاكتراث و تابعت التلاوة ، أما القشعريرة فقد تعايشت معها ...
وكانت بيوتات(علب الخير) المتناثرة طوق نجاة ، فرغم أن القرية شبه خاوية ، و أنك ربما تساءلت عن الأرقام الضخمة التي صوتت فيها ، إلا أنني وجدت مؤنسا متوجها إلى صنكرافة.
حدثني الرجل بمرارة عن القحط و العلف و رحلاته اليومية من و إلى ماشيته، و ربما كان يريد الحديث عن الأسعار و ارتفاع اليورو و تأثر المواد الغذائية بذلك ، فقد ارتفع سعر القمح و الأرز و اللبن و الزيت ، لكنه عرف أنني من سكان المقاطعة و أنني ربما اكون أحد عناصر الأوركسترا التي تطبل لتسيير البلد فهذه الطريقة التي نرى ، فأحجم عن النقد اللاذع ، لكنك تستشف من كلامه الغضب الشديد، و لعلها حالة هذا الشعب المسالم ، الذي نخشى أن تجبره الظروف أن بثور ، و عندما يثور الجياع ، فلن يكون هناك مكان للطلاسم التي تغطي الواقع.
دخلنا في صنكرافة لأشعر بالدفء و يجتاحني شعور أوبة المسافر ، و يبدو أن طريق "الأمل" مصدر طمأنينة لكل الموريتانيين ، أعني طريق المرحوم المختار ولد داداه ، و ليس طريق فك العزلة عن بلديات الجنوب ، الذي ربما يعرقل الحديث عنه المواصفات العالمية التي سيتوفر عليها.
انزلت الرجل في صنكرافة و دلفت إلى مدينة مقطع الأحجار ، و أنا اقلب الواقع المرير الذي تعيشه المقاطعة ، استغرب اللافتات التي اقتراحها عمدنا لتنبئ عن عواصم بلدياتنا ، و هي أكوام القمامة و الجيف ، هذا على الأقل هو أول ما يغشاك من مقطع الأحجار و صنكرافة ...(الصورة من تكانت لكنها قديمة)

إضافة تعليق جديد