حياة الشيخ أحمد أبي المعالي | مقطع الأحجارالإخباري

حياة الشيخ أحمد أبي المعالي

اثنين, 04/06/2015 - 10:08

تقديم :  الشيخ أحمد أبي المعالي هو أحد فطاحلة العلماء العباد الزاهدين ، جمع بين غزارة العلم و سداد الرأي و الورع و الزهد و السيادة ، تصدى للمسؤولية الاجتماعية و الدينية فكان لهما نعم القائم بالهم  و نعم  المصلح للقلوب المربي للعقول

مـولـده:

حسب رواية الشيخ العربي ولد اليماني في كتابه "عقود اللآلى في كرامات الشيخ أحمد أبي المعالي" أن مولده كان في شوال سنة 1309هـ، إلا أن بعض معاصريه يرى أنه ولد قبل ذلك بنحو ثلاث سنوات.

نسبه:

هو الشيخ أحمد أبو المعالي بن الشيخ أحمد حضرامي بن أحمد بن محمد بن عبد الدائم بن أحمد بن الطالب اخيار التاكاطي.

أما نسبه من جهة أمه: فأمه هي لال بنت عبد الواحد ولد أعل سالم ولد أعلي من قبيلة لمتونه،(القبيلة التي ما زالت تحتفظ بالاسم القديم لدولة المرابطين)، جدها الإمام الحضرمي دفين تيارت، وهي شريفة من آل البيت.

توفيت أمه في حدود السنة الخامسة من عمره، فحضنته جدته لأمه خديجة بنت الإمام بن مكي اللمتوني الملقبة المسلمة هو وشقيقه الأصغر عبد الباقي، وكانا يزوران والدهما من حين لآخر فيعطيهما الأموال الجزيلة، إلى أن توفي سنة 1319هـ 1899م، وعمره إذ ذاك ما بين 10 إلى 13 سنة.

وقد كانت جدته هذه امرأة حازمة قوية الإرادة، اهتمت به كثيرا، ورأت فيه علامات النبوغ، فكانت تشجعه كثيرا وتقول له: «أرجو أن تكون عالما سيدا وليا»، وتطلب منه أن يقوم لها بأمورها ولا تكلها إلى غيره.

وقد تربى في المنطقة التي تشمل الآن مقاطعات: امبود ومقامه ومونكل.

وقد كان في أيام مراهقته قوي البنية، متماسك الأعضاء، جميل المنظر يعلو وجهه بهاء ظل يصاحبه طيلة حياته، يحسن السباحة، يتكلم اللغات التي في محيطه بالإضافة إلى اللغة العربية وهي: السوننكية والتكرورية، وكان جريئا مقداما ينازع الأسد الشاة وهو وحيد أعزل، لم يعرف المجون والهزل إلى قلبه سبيلا، ولم يصحب أقرانه في المجالس التي تسمع فيها الخلاعة واللهو الماجن، ولم يستعمل الدخان مع انتشاره تلك الأيام.

الجانب العلمي:

بدأ تعلمه كعادة أبناء زمانه من طبقة الزوايا بحفظ القرآن الكريم، وكان يصعب عليه الحفظ في البداية، فلما بلغ سن العشرين فتح الله عليه في الحفظ أما الفهم فكان فيه منتهى الغاية، وقد أسند له شيخه محمد أحمد بن الطالب إبراهيم الفتيا والقضاء ولما يتجاوز العشرين من عمره بعد.

أما النحو فلم يصحب فيه شيخا معينا وإنما درس ملحة الإعراب ثم ألفية ابن مالك على كل من لقي حتى تمكن فيه، وقد قال كلمته المشهورة لمن سأله بعد أن رأى تمكنه في النحو: على من درست النحو؟ فأجابه: ألا يعرف بدون شيخ.

أما غير ذلك من العلوم فقد حصله بالنظر والمطالعة، وقد صار مضرب الأمثال ومحط الأنظار المرجوع إليه في الفتيا ولما يتجاوز عمره الخامسة والعشرين.

شيوخه في العلم:

- أسند ولد أعمر امبادي اللمتوني (درس عليه القرآن الكريم فقط)

- ابراهيم ولد عبداوه ولد مكي اللمتوني أيضا

- محمد المامون ولد نوح الجكني الرمظاني

- محمد أحمد ولد الطالب ابراهيم التاقاطي (درس عليه الفقه)

- عبد الله ولد أحمد ولد محمد عينين ولد أحمد ولد الهادي

ولما تضلع من العلوم طلب منه أهله الانتقال إليهم لينتفعوا بعلمه، فاستجاب لهم.

جلوسه للتدريس:

جلس للتدريس تقريبا سنة 1330 هـ، فأقبل عليه الطلاب من كل حدب وصوب، ومنهم من قدم معه من محظرته التي كان يدرس فيها، فبنى لهم خيمة، وأوقف عليهم الأوقاف هو نفسه، ثم جاء الوقف من جهات أخرى، وكان كذلك يصدر الفتاوى التي لا معقب لها.

وقد تخرجت على يديه أعداد كبيرة من العلماء من جميع مناطق البلاد، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر:

- الشيخ محمد الطيب ولد اعل ولد إبراهيم

- الشيخ محمد المختار ولد اعل ولد إبراهيم اللمتونيان

- الشيخ عبد الرحمن ولد بلال (ادكجمل)

- الشيخ محمد عبد الرحمن ولد يحظيه (القناني)

- الشيخ محمد لخليف ولد محمد أحمد (النجمري).

وقد حضر مؤتمر القضاة الذي عقد في انواكشوط سنتي 62-63 وكان فيه المرجع الأوحد لجميع العلماء الحاضرين.

وقد أخبر عن نفسه أنه كان خلال فترة من حياته يحفظ جميع متون مذهب الإمام مالك بحيث لو غرقت أو أحرقت لأمكنه إملاؤها من حفظه، ثم بعد ذلك أصبح يقتصر على حفظ المشهور فقط.

مؤلفاته:

لقد كان شيخنا الشيخ أحمد أبو المعالي مشغولا بكثير من المهام التي يكفي كل واحد منها لشغل جميع الوقت وحده، فقد كانت تتوزعه مهام التدريس، والتربية، والشؤون السياسية، والضيافة، والإفتاء، والعبادة.

ولذلك لم يتفرغ للتأليف، ومع ذلك فقد ألف عدة كتب هي عبارة عن أجوبة على أسئلة وردت عليه، وتبلغ نحو العشرة، إلا أن الموجود منها بين أيدينا سبعة فقط، وهي:

1- النقول الشافية في إبطال حجج مدعي المعية الذاتية (في العقيدة)

2- مزيل الإشكال عن صلاة أهل الأحوال (الفقه والتصوف)

3- الجواب المستنار عن سؤال سيدي المختار (التصوف)

4- أنيس المشتاقين في ذكر أحوال العاشقين لذكر الله والنبيئين (التصوف)

5- النفثة الروحانية (التصوف)

6- حق المؤمن على المؤمن (أجوبة عن أسئلة وردت من معاصره أواه بن الطالب إبراهيم)

7- جوابين عن حكم رفع الصوت بالذكر في المسجد، وحكم الذكر بالاسم المفرد.

بالإضافة إلى فتاوى كثيرة لم تجمع بعد.

الجانب الاجتماعي:

زواجـه:

تزوج أولا بابنة عمه فاطمة بنت محمدو (ابوه)، وكانت امرأة صالحة شديدة الورع، على جانب كبير من العلم، فكانت خير معين له على ما أراد من العبادة والزهد والتعلم.

ثم بعد وفاتها سنة 1342هـ تزوج ابنة خالته مريم بنت جعفر بن عثمان بن هاشم الملقبة الغيثة (شريفة من آل البيت).

ثم تزوج في آخر حياته بخديجة بنت ميلود

أبناؤه وبناته:

لقد عاش لشيخنا الشيخ أحمد أبي المعالي خمسة أبناء هم على الترتيب:

- الشيخ محمد المصطفى: ابنه الأكبر وخليفته، والدته فاطمة، وهو معروف بشدة الورع والذكاء وهو عالم جليل، وشيخ صوفي مرب للقلوب.

- جعفر: عالم جليل قوي الحافظة ربما حفظ الكتاب بقراءة واحدة، زاهد في الدنيا لم يلتفت إليها لحظة واحدة.

- الشيخ سعد أبيه: وهو شيخ تربية، كان كثير الخوارق، واسع الأخلاق، وقد اتخذ من دكار مقرا له، إلى أن توفي به شهيدا على أيد آثمة وهو صائم في الجمعة الأخيرة من رمضان سنة 1410هـ ، في أحداث 89 الأليمة وله من العمر تقريبا 50 سنة حيث كان ميلاده سنة 1359هـ، تغمده الله برحمته وإنا لله وإنا إليه راجعون.

- عثمان: العلامة المعروف، وقد شغل منصب القضاء، ثم عين قنصلا عاما للبلاد في النيجر ثم ليبيا ثم المملكة العربية السعودية ثم عين سفيرا في قطر ثم في الكويت ولازال بها ولله الحمد، صدر له أخيرا كتاب: مرشد المتنازعين إلى طريق الألفة، وهو تأصيل لكتاب الشيخ عبد الرحمن الأخضري في الفقه.

- عبد الدائم: العالم المعروف، تولى القضاء في سن مبكرة من حياته، في موريتانيا، ثم في الإمارات، ثم في قطر، صدر له مؤخرا كتاب: الحكم الشرعي في زكاة وربوية النقود الورقية.

أما بناته فهن:

- عائشة: شقيقة الشيخ محمد المصطفى، حفظت القرآن، لها دراية كبيرة بالفقه.

- الكطرانه: والدتها الغيثة توفيت رحمها الله سنة 1993م، كانت على جانب كبير من الأخلاق والذكاء.

- آمنة: والدتها الغيثة كذلك وهي معروفة بالعبادة والصلاح.

- فاطمة السالمة: الملقبة اسلمه والدتها خديجة، وهي تحفظ القرآن الكريم ولها دراية بالفقه.

محل إقامته

سكن أولا عند دار أبيه في "كاوه"، حيث أعاد بناءها، ثم انتقل عنها حيث استقر أخيرا في آكرج (على بعد 18 كلم من مقطع لحجار على طريق الأمل، وكلم ونصف على الطريق الرملي) حيث أقام به سدا سنة 1338هـ، وبنى دارا من الحجارة سنة 1352هـ، ثم بنى مسجدا وداره الكبيرة سنة 1368هـ الموافق 1949م ، ثم بنى به داره الشهيرة سنة 1945م حيث لم يكن يوجد في تلك المنطقة إلا هي، كما أن عدد الدور آنذاك بالبلاد كلها كان يعد على رؤوس الأصابع، وقد بنى هذه الدار على شاهق في ملتقى الطرق ليراها الزوار من بعيد.

رحلته لأخذ الطريقة الصوفية:

بعد انتهائه من دراسة علم الفقه وغيره من العلوم، اشتاقت نفسه إلى من يأخذ عنه علم التصوف، ففكر أولا في أخذها عن والده الشيخ الحضرمي الذي توفي، فنظر في الكتب هل يجوز أخذ الطريقة على الميت؟ فوجد أن ذلك يجوز ولكن الأفضل أخذها على الحي، وحسب رأيي أن ذلك يرجع إلى أن علم الصوفية هو عبارة عن علم السلوك وأساسه القدوة بالحركات والسكنات، ورؤية كيفية تطبيق هذا القدوة للشريعة الإسلامية، وهذه لا تتوفر إلا في الحي، وإلا فعلم الصوفية موجود في الكتب، وبعد أن استقر رأيه على أخذها على شيخ حي، اشتاقت روحه إلى شيخنا الشيخ سعد أبيه بن شيخنا الشيخ محمد فاضل، (وهذا التعلق الروحي هو أساس العلاقة بين الشيخ والمريد لأنه عن طريق المحبة تنتقل الصفات التي في الشيخ إلى المريد لا شعوريا) فتوجه إليه في مكانه الذي يقيم فيه "النمجاط"، فلما أحس به بنى له خياما وأكرمه غاية الإكرام، وأنشد في مقدمه أبياتا:

أبو المعالي جاءنا من بعد

وجها يحاكي يوسفا تجملا

أهلا به من قد رأى من سيد

أهلا به أهلا به من سيد

صوتا يحاكي داوود ذا العلا

بحري بحري به للوارد

وبعد مضي أقل من ثلاثة أيام استدعاه وأعطاه الطريقة بل صدره فيها، وخلع عليه ثيابه التي كان يلبسها (وهي إشارة عند الصوفية إلى أنه قد صار في مقام شيخه) وقد أمره شيخه أن لا يبيت معه وقال له: إن سيفان لا يصلحان في غمد واحد (وهذا شبيه بقولة عمر رضي الله عنه للأنصار لما قالوا منا أمير ومنكم أمير: سيفان لا يصلحان في غمد واحد)، وفي رواية أنه قال له بعد أن أدخله خيمته الخاصة: لقد أوقفتك في مكان لم أوقف فيه رجلا قبلك ولن يقف فيه بعدك، وقال له: إن شيخنا محمد فاضل قد خلفني على ذريته ومريديه وقد خلفتك عليهم، وفي رواية أنه استدعاه بعد عصر الخميس وقال له بعد كلام كثير وعجيب: لتخرجن من بين الرجال كما تخرج هذه من بين الأصابع، وأشار إلى الوسطى، وفي رواية أن شيخنا الشيخ أحمد أبي المعالي قال في نفسه: أنه لم يلاحظ جديدا طرأ عليه، فأجابه شيخنا الشيخ سعد أبيه مجاوبا لخاطره: إن المسافر لا يعرف ما في حقيبته حتى يرجع إلى أهله. وبعد ذهابه عنه لاحظ أحوالا عجيبة وأمورا غريبة طرأت عليه ففهم معنى كلام شيخه، وقد توفي شيخه بعد ذهابه عنه بأشهر قليلة سنة 1917م 1335هـ.

وبعد عودته أضاف إلى مهامه السابقة مهمة جديدة هي مهمة تربية القلوب وقد أقبل عليه المريدون من كل حدب وصوب، وتتلمذ عليه بعض تلامذته الذين كانوا في محظرته وخاصة من قبيلة لمتونه ومن أشهرهم الشيخ محمد المختار ولد اعل ولد إبراهيم، ونذكر بأن حضرة شيخنا كانت مثالا حيا لتطبيق الصوفية السنية الفقهية، وكان أكثر تلامذته من العلماء والفقهاء، وقد تتلمذت عليه قبائل كثيرة من أشهرها تجكانت وإدوعيش، وكان مريدوه في ولايات تكانت ولبراكنه وآدرار واترارزه وكوركل، وقد تخرج على يديه جم غفير في الطريقة.

الجانب التعبدي:

نستطيع أن نلخص هذا الجانب في برنامجه اليومي، الذي كان لا يقطعه إلا مرض شديد أو سفر متواصل وهو على النحو التالي:

كان يأتي إلى المسجد في السدس الأخير من الليل، ويبقى فيه إلى صلاة الصبح فيصليها في جماعة، ثم تأتي جماعة من الحفاظ لترتل حزبا من القرآن برواية ورش أو قالون عن نافع وهو يستمع، وبعد انتهائهم يبقى في مصلاه يذكره الله تعالى حتى تطلع الشمس فيصلي الضحى. ثم يذهب لتوديع من حان ارتحاله من الضيوف، ثم يعود إلى المنزل ليتصل بالتلاميذ في شأن تهيئة الضيافة لذلك اليوم ثم ينام في الزوال.

وفي أول وقت الظهر يأتي إلى المسجد، وربما يسبق المؤذن بالأذان، ويبقى بعد الصلاة يذكر الله تعالى، وربما اشتغل ببعض الأحكام الفقهية أو مطالعة التفاسير فربما فسر ثمنا أو ثمنين. وبعد صلاة العصر يعود للمنزل لتهيئة الضيافة.

وبعد أن يصلي المغرب يجلس للاستماع للحزب، ثم يجلس حتى يصلى العشاء ويقرأ الحزب، وفي رمضان يصلي التراويح بعد صلاة العشاء

إضافة تعليق جديد